الصحوة – زهرة بنت سيف الشكيلية
إن الهدف الأساسي من تعليم العلوم هو تنمية العادات العلمية الذهنية للطلاب وتنمية قدراتهم للمشاركة في الاستقصاء العلمي وتعليمهم كيفية التفكير في سياق علمي، كما أن التركيز الضيق على المحتوى وحده يترك الطلاب مع مفاهيم ساذجه لطبيعة البحث العلمي ويعطي انطباعاً أن العلم مجرد هيئة من الحقائق المعزولة (2012 National Research Council,).
في هذا المقال ” تعليم واضح وتفكير ناقد ” سنتطرق إلى بعض الأساليب التي من شأنها أن تجعل التعليم واضحاً وفعالاً وتساعد على إعداد جيل مفكر وناقد.
ما زالت الجهود مستمرة في النظام التربوي بالسلطنة من أجل معالجة الموضوعات المتعلقة بالمشكلات الحياتية بما يتناسب مع مهارات القرن الحادي والعشرين، ومتطلبات سوق العمل، وجميع شرائح المجتمع تتفق بأن ذلك يتحقق من خلال المناهج الدراسية وطرق ووسائل التدريس. ومن أكبر التحديات التي تواجه الأنظمة التربوية، المقدرة على إعداد جيل يدرك المعرفة، وقادر على ممارستها وتطبيقها في حياته اليومية.
وأشار سورز وباسمور ريزر(Schwarz, Passmore & Reiser, 2016) الوارد ذكرهم في Almarode, Fisher & Frey,2019)) من خلال تدريس العلوم يسعدنا تطوير وتنفيذ خبرات تعلم تتيح للطلاب اكتشاف كيفية عمل العالَم، وأكد ألمورد وفيشر وفري Almarode, Fisher & Frey, 2019)) أنه من خلال الوضوح في التعليم نسد الفجوة بين ما نرغب أن يعرفه طلابنا ويفهموه وبين ما يكونوا قادرين على فعله وما الذي يفعلونه في الواقع؟ وكيف يمكن أن ندعم المتعلمين؟ بحيث يتجاوزون فكرة: أن العلم عبارة عن مجموعة من الحقائق المنفصلة، ويأتي الوضوح في التعليم من وضوح المعلم ومن تنفيذ خبرات التعلم التي تعزز المعرفة .

والمتابع للتعليم في السلطنة يجد أن طلاب اليوم أكثر قدرة مما سبق على ربط وتوظيف المعرفة العلمية بواقعهم ويعود ذلك لجهود المعلمين وتسابقهم في تطبيق طرق تدريس مناسبة ووسائل توضح الدروس وتبادل الخبرات بينهم، مثل توضيح قوانين نيوتن من خلال تطبيق تجارب وبأدوات متاحه، ثم ربطه بواقع الطالب فيدرك وجوب ارتداء حزام الأمان، وتوضيح كيفية تكيّف الميكروبات مع العقاقير من خلال لعب الادوار، فيتضح للطالب ما يجب فعله عند تناول العقاقير وأهمية الالتزام بالوصفة الطبية، كما يتضح له أهمية تغيير معجون الاسنان منعاً لتكيف البكتيريا مع الوسط، وتوضيح الوسط الملائم لنمو الخميرة من خلال تجربة عملية وأيضاً بأدوات متاحة، ينتج عن التجربة إدراك الطالب ما يجب فعله لنجاح إعداد المعجنات في المطبخ.
اليوم في التدريس لم يعد مجدياً ” مقاس واحد يناسب الجميع”، اليوم يجب على المعلمين أن يخططوا ويضبطوا الدروس؛ لكي يحصل جميع الطلاب على فرص تعلم المفاهيم والمهارات العلمية بنجاح(Harshbarger, 2019).
ومن واقع خبرتي في الميدان التربوي ينوع المعلمون في الاستراتيجيات والوسائل التعليمية وأساليب التقويم، فيتم تطبيق التمثيل الدقائقي للمادة ثلاثي الأبعاد أو ثنائي الأبعاد لمساعدة الطالب في معالجة النموذج العلمي المتكون لديه حول ظاهرة علمية غير محسوسة ومثال على ذلك؛ استخدام برامج المحاكاة مثل PHET لتوضيح نظرية اينشتاين لتفسير التأثير الكهروضوئي وتوضيح مرو التيار الكهربائي في الدائرة الكهربائية والانشطار النووي والاندماج النووي لتوضيح التغير الذي يحدث لنواة العنصر، وعرض ظاهرة السراب الصحراوي، حيث أن دور النماذج في العلوم يساعد الطلاب على فهم أعمق للعلوم وتعزيز التفكير العلمي لديهم(2012 National Research Council,).

وهناك جهود مستمرة ومتنامية من المعلمين والإداريين في سعيهم لمراعاة الفروق الفردية ومراعاة الطلاب ذوي الإعاقة البدنية أثناء تعليمهم في الصف الدراسي من خلال الأنشطة المقدمة لهم، وتعيين زملاء يتميزون بسعة الصدر يقدمون لهم دعائم تعليمية، إلا أننا ما زلنا لم نصل لحالة الرضى في هذا الجانب بسبب المعوقات وأهمها كثافة الطلاب في الصف الواحد، غير أنّا مستمرون لتحقيق الأفضل.
وتعمل الشراكة المجتمعية مع المدرسة على تشجيع الطلاب على تحديد فهم أكثر وضوحاً في الفصول الدراسية ويؤثر هذا النوع من التعلم بشكل ايجابي على تعلم الطلاب، وعن طريق ربط المعرفة ومكاسب العمل في العمل الفردي والمجتمعي يتم توجيه التفكير (Goralnik, Dauer & Lettero, 2019).
في الآونة الأخيرة تزايدت شراكة المجتمع العماني مع المدرسة، أصبح المجتمع متمثلاً في أولياء الأمور والشركات المساهمة بمبالغ مالية من أجل تزويد المدارس بمقتنيات تثري العملية التعليمية كالسبورة التفاعلية وأجهزة العروض المتنوعة التي بدورها تساهم في تحقيق الوضوح في التعليم، كما يشارك المجتمع عن طريق التواجد في المدرسة وتنفيذ دروس تعليمية لربط المعرفة عند الطالب بما يحدث في الواقع، ومن أمثلة ذلك مشاركة شرطة المرور لتوضيح دروس السلامة على الطريق، والأطباء لتوضيح ما يتعلق بالأمراض وبفصيلة الدوم والوراثة.
إنّ الوضوح في التعليم يُعِد جيلاً مفكراً وناقداً، فلا يقتصر دور العلماء على تحديد المتغيرات والتحكم فيها وتحديد مصادر الخطأ؛ ولكن يمتد إلى النقد والجدل القائم على الدليل وتواصل العلماء مع بعضهم البعض(2012 National Research Council,)، ويتضح ذلك جلياً عندما نترك الطلاب ينفذون التجارب العلمية، مثل تجربة “قياس سرعة الصوت في الأعمدة الهوائية باستخدام ظاهرة الرنين”عند صياغة الفرضية يبدأ الجدل العلمي بين أفراد المجموعة منهم يتوقع أن بزيادة التردد تزيد سرعة الصوت في الهواء استناداً للعلاقة الرياضية، ومنهم يتوقع أن تبقى سرعة الصوت ثابته استناداً لمعلومة علمية سابقة. يكمل الطلاب إجراءات التجربة وعند تفسير النتائج يعود الجدل العلمي بينهم مرة أخرى أخرى منهم يعتقد أن النتائج خاطئة ويكررون اجراءات التجربة ثم يحصل جميع مجموعات الصف على نفس قيمة سرعة الصوت في الهواء وفي جميع المحاولات، وبذلك يسلك الطلاب مسلك العلماء فهم يتنبؤون ويصيغون فرضياتهم ويكررون المحاولات ويفسرون نتائجهم ويقيسون ويلاحظون باستخدام الحواس الخمس ويتواصلون مع بعضهم وينتقدون ويتجادولون جدلاً علمياً ناقداً.
واليوم مدارسنا تسعى إلى تطبيق استراتيجية الجدل العلمي في تدريس العلوم خاصةً عند تدريس دروس العلوم كالأمراض، وحفظ الاغذية قديماً وحديثاً، والسلامة على الطريق، وفكرة إمكانية تطبيق المفاعلات النووية في السلطنة كمصدر بديل للطاقة، إلا أنه ما زال هناك قصور في هذا الجانب في ظل النمو المعرفي المتسارع وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي التي أصبحت أداة فعالة لنقل المعلومات والأخبار، بل أصبحت عند البعض أحد مصادر المعرفة؛ في حين أنها قد تحمل بيانات خاطئة وغير موثوقة؛ لذلك من المهم أن يهتم نظامنا التربوي بإكسا ب المتعلمين مهارة التفكير الناقد، حتى نعد جيلاً قادراً على فحص المعلومات والتأكد من صحتها وسلامتها، وجعل المتعلم قادراً على استخدام مصادر متنوعة للحصول على المعرفة، حيث يتطلب العلم الانفتاح على العالم الخارجي، والتفكير الناقد هو أحد مهارات القرن الواحد والعشرين، وإحدى المهارات الأساسية لتعلم وإنتاج المعرفة، وأكدت عدد من الدراسات على أهمية التعليم القائم على الجدل قائلةً: التعليم بالاستقصاء القائم على الجدل يهدف إلى تطوير مهارات الطلاب للبحث في الأسئلة ومناقشة الادعاءات والتفسيرات وذلك يؤدي إلى تنمية مهارات التفكير الناقد (Tuccaroglu & Simsekli, 2018)، والمشاركة في النمذجة والجدال القائم على الأدلة يدعو الطلاب ويشجعهم على التفكير في قيمة معرفتهم العلمية و فهمهم لكيفية عمل العلم (2012 National Research Council,).
وتعمد بعض المدارس عمل “يوم علمي” يتم فيه عرض أنشطة وفعاليات علمية مرتبطة بمناهج العلوم لتحقيق مزيد من الوضوح وزيادة دافعية الطلاب نحو العلوم، بل ارتقى الأمر إلى تغيير المألوف في الحصص الدراسية فمثلاً: تحويل حصة الفيزياء إلى “مهرجان الكهرباء الساكنة” ويتصرف الطلاب في هذه الحصة كعلماء فيمارسون أبعاد طبيعة العلم، وعمليات العلم بأنواها الاساسية والتكاملية.

وتهتم بعض المؤسسات التعليمية في السلطنة بتعليم العلوم من خلال التعلم الغير الرسمي ويقصد به التعلم الموجه خارج المدرسة، وتظهر أهمية هذا النوع من التعليم في تنمية التفكير الناقد وربط الحقائق العلمية بواقع الطلاب؛ من خلال الأسئلة التي يطرحها الزوار والمناقشات التي تعكس كيف أن مراحل تبلور فكرة المشاريع المعروضة قائم على التفكير الناقد وتظهر علاقة الحقائق العلمية بحياة الفرد وخدمة المجتمع، ووجد أن استخدام بيئات التعلم خارج المدرسة (مثل معسكرات العلوم) يزيد من الدافع والاهتمام بالعلوم الطبيعية Halonen & Aksela, 2018)). وقد يتم هذا التعليم في المراكز الصيفية التي تنفذها بعض المدارس والمركز الصيفي الذي تنظمه جامعة السلطان قابوس, ويتم ايضاً من خلال الرحلات المدرسية إلى المهرجانات العلمية مثل: المهرجان العلمي الذي تنظمه كلية العلوم في جامعة السلطان قابوس سنوياً، ومهرجان العلوم الثاني الذي استمر خمسة أيام في شهر نوفمبر خلال العام الدراسي 2019/2020؛ ولكي يحقق التعلم الأهداف من زيارة المهرجانات العلمية، يفضل أن يبلغ المعلمون الطلاب الهدف من الزيارة وإعلامهم بأن الذين يعرضون الأنشطة والنماذج العلمية في المهرجان هم علماء، وينبغي على المنظمين تزويد المعلمين بالمعلومات المراد تعميمها على الطلاب وأن يعلنوا عن أهدافهم التعليمية (Canovan, 2019).
ولكن ما يحدث خلال التنظيم للرحلات المدرسية العلمية في مدارسنا هو أن بعض الطلاب يذهبون الى المهرجان العلمي بدون وضع أهداف علمية لتحقيقها، وما نلاحظه في طلابنا أن بعضهم يعتقد أن العلماء لهم زمان غير زماننا، ولذا يجب أن نساعدهم أن يدركوا أن العلماء وجودهم ممكن في كل زمان ومكان من خلال مجموعة الممارسات هي نفسها التي يؤديها الطلاب أثناء إجراء التجارب العلمية في الحصص الدراسية والمختبرات.


























