الصحوة – الدكتور سالم بن سلمان الشكيلي
يقول الله عزّ وجل في محكم آياته ” كل نفسٍ ذائقة الموت وإنّما توفَّون أجوركم يوم القيامة ” ويقول أيضاً : ” فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ” .
خلق الله الحياة كما خلق الموت ، تلك سنته في أرضه فلا راد لقضائه ، يعود الأمر كله إليه وليس أمامنا نحن البشر إلا التسليم بقضاء الله وقدره ، مات محمد صلى الله عليه وسلم سيد البشر ، ومات قبله جميع الأنبياء والرسل ، ولو ومن بشر مخلدٌ في الدنيا لكان لمحمد رسوله ونبيه وصفيه وخليله ، وهذا ما يهوّن علينا الفقد والمصيبة فنقول : إنا لله وإنا إليه راجعون، وإنا لفقدك وموتك ياقابوس لمفجوعون .
تنعي الأمة العمانية والعربية والإسلامية والعالم أجمع ، رجلاً ليس ككل الرجال ، وسلطاناً ليس ككل السلاطين ، وحاكماً ليس ككل الحكام ، رجلً تفرّد في إنسانيته ، وسلطان ازدان العرش به ، وحاكم فاقت حكمته ورؤيته كل حكام العالم ، نعم تنعى الأمة كلها حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ، الذي وافاه الأجل المحتوم بعد صراع مع المرض ؛ ليلقى ربه الكريم وقد أدى رسالته وأمانته في سياسة وحكم رعيته .
سيبكيك كل من على هذه الأرض الطاهرة أيها القابوس ، سيبكيك شعب بأكمله التفّ حولك وأحبك حباً خالصاً صادقاً ، من قلوب عشقتك وآمنت بك قائداً ورمزاً وزعيماً وأباً حنوناً رحيماً بشعبك ، نعم سيبكيك الشيوخ رجالهم قبل نسائهم ، سيبكيك الشباب والأطفال وطلاب المدارس الذين يرددون كل صباح ” ياربنا احفظ لنا جلالة السلطان ” ، وسيبكيك المقيم في هذا البلد العظيم الذي شعر بالأمن والأمان وتقاسم مع العماني لقمة العيش ، سيبكيك الشجر والمدر وكل مخلوقاته في أي بقعة من عمان .
نعم سيدي ، ستفتقدك الأمة العربية والإسلامية والعالم أجمع ، وسيفتقدك السلام الذي ظللت تعمل به ومن أجله ، لينعم العالم وشعوبه بالاستقرار ، حتى وأنت في مرضك كان همّك أن تمكّن السلام من الانتشار ، ليعمّ شعوب العالم قاطبة ، فكان في كل مكان قبضة من أثر السلام الذي أرسيته سيفتقدك مئات الجوعى والمحتاجين والمستضعفين .
ستفقدك مولاي شوارع عمان ، التي جُبتها نهاراً وليلاً ؛ لتطمئن على رعيّتك في المدينة والقرية والسهل والوادي والجبل ، ولتتأكد كما ذكرت في إحدى مقالاتك الصحفية ” لتتأكد بنفسك من أنّ كل شئ على ما يرام ”
نشهد لك بماذا يامولاي ، بنهضتك الشامخة التي أقمتها خلال خمسين عاما حتى غدت عمان في مصاف الدول المتقدمة ، أم نشهد لك بالوحدة الوطنية العمانية التي سيسجلها التاريخ إسهامًا لم يسبقك إليها أحد في التاريخ المعاصر ، أم نشهد لك بالأمن والأمان والاستقرار الذي ينعم به العماني كما لم ينعم بمثله من قبل، أم نشهد لك بحكمتك ورؤيتك الثاقبة التي كانت حاضرة في كل مشهد ومحفل ، أم نشهد لك بحلمك وتواضعك وعطفك على الصغير والكبير ، نشهد بماذا وماذا وماذا !؟ مآثرك ومزايدة وسجاياك أكبر وأكثر من أنْ تُحصى .
نشهد لك يامولاي أنك وعدت فأوفيت ، وعاهدت وأنجزت ، وستظل كل هذه المنجزات شاهدة لك ، وسيظل العمانيون كل العمانيين ، مدينين لك أيها الرمز العظيم .
أما وقد اختارتك مشيئة الله فإننا نسلم أمرنا إلى الله جلّت قدرته ، متضرعين لله أن يسكنك الفردوس الأعلى مع النبيين والصديقين والشهداء جزاء ما صنعت في السر والعلن ، وأن يسبغ عليك رحمته ومغفرته التي وسعت كل شيء ، ولا نقول إلا ما يُرضي ربنا : إنّا لله وإنّا إليه راجعون وإنا لفقدك ياقابوس لمحزونون .



























