حصريٌّ لـ«الصحوة» – في الثلاثين من يوليو من كل عام، يلتفت العالم إلى واحدة من أبشع الجرائم التي تستهدف الإنسان في كينونته وكرامته: جريمة الاتجار بالأشخاص؛ ففي هذا اليوم العالمي، تتجدد الدعوات الدولية لتكثيف الجهود الرامية إلى التصدي لهذه الظاهرة العابرة للحدود، والتي لا تفرّق بين جنس أو عمر أو جنسية، بل تستغل الهشاشة والضعف لتحقيق مكاسب غير مشروعة. وبينما تتفاوت درجات المواجهة من دولة إلى أخرى، تبرز سلطنة عُمان كنموذج يُحتذى به في المنطقة من حيث التزامها الواضح، وتشريعاتها الصارمة، ومقاربتها المتكاملة التي توازن بين الوقاية والمساءلة والحماية؛ فعلى مدى أكثر من 15 عامًا، أرست سلطنة عُمان منظومة وطنية متماسكة لمكافحة الاتجار بالبشر، جمعت بين القانون والمؤسسة والوعي المجتمعي، لتؤكد أن صون الكرامة الإنسانية ليس خيارًا، بل التزامٌ راسخٌ تُمارسه الدولة قولًا وفعلًا.
تشريع رادع وإرادة سياسية واضحة
منذ العام 2008، وضعت سلطنة عُمان إطارًا قانونيًا صلبًا لمكافحة الاتجار بالبشر، عبر المرسوم السلطاني رقم 126/2008، الذي صدر كقانون مستقل يُجرّم الاتجار بالبشر بكافة أشكاله، ويحدّد العقوبات التي تصل إلى السجن 15 عامًا، وغرامات تصل إلى 100 ألف ريال عماني، مع صلاحية تجميد ومصادرة الأموال المستخدمة أو الناتجة عن الجريمة.
لجنة وطنية بخطة ثلاثية
تشكلت اللجنة الوطنية لمكافحة الاتجار بالبشر بموجب القانون ذاته، لتكون الجهة المركزية التي تقود وتنسّق جهود سلطنة عُمان في هذا المجال. وتضم اللجنة في عضويتها ممثلين من أبرز الجهات الحكومية والقضائية والأمنية والحقوقية، وتعمل حاليًا ضمن خطة عمل وطنية للفترة 2024–2026، تشمل التوعية المجتمعية، والتدريب المؤسسي، وتحسين حماية الضحايا، وتطوير الأطر القانونية.
“أمان” و”إنسان”: حملات توعية بلسان الجميع
من الركائز الأساسية التي اعتمدتها سلطنة عُمان في مواجهة هذه الجريمة، التوعية الجماهيرية، عبر حملات إعلامية متكاملة مثل حملة “إنسان”، والتي ركزت على تعزيز الوعي المجتمعي بحقوق الإنسان ومخاطر الاتجار، بالإضافة إلى الحملة الوطنية الحديثة “أمان” التي أطلقتها اللجنة الوطنية مؤخرًا بـ14 لغة، مستهدفة المواطنين والمقيمين، خاصة في المطارات والمنافذ الحدودية، وعبر لوحات رقمية ومنصات التواصل الاجتماعي.
كما أُنشئ خط ساخن لتلقي البلاغات وتقديم الدعم، وتُتاح خدمة الإبلاغ عبر موقع اللجنة الإلكتروني بلغات متعددة، مما يسهّل على الضحايا الوصول إلى الحماية.
شراكة مؤسسية وتدريب متخصص
وفي الإطار المؤسساتي، تولي سلطنة عُمان اهتمامًا خاصًا ببناء القدرات، إذ نظّمت الجهات المعنية العديد من الورش التدريبية المتخصصة، استهدفت القضاة، وأفراد الشرطة، ومفتشي العمل، والأطباء، والكوادر الاجتماعية، بهدف تعزيز قدرتهم على التعرف على الضحايا، والتعامل معهم بإنسانية واحترافية، واتخاذ الإجراءات القانونية الملائمة.
رعاية وحماية.. لا عقاب
تنطلق سلطنة عُمان من مبدأ أن الضحايا لا يُعاقَبون، بل يُحتمى بهم. ولهذا الغرض، أنشأت دورًا مخصصة للإيواء والرعاية المؤقتة، منها “دار الوفاق”، التي تقدم خدمات متكاملة تشمل الإيواء، والرعاية النفسية، والاستشارة القانونية، والدعم الاجتماعي، بالتنسيق مع مختلف الجهات الرسمية.
رؤية مستقبلية.. والتزام لا يتراجع
تأتي جهود سلطنة عُمان في مكافحة الاتجار بالبشر كجزء من التزاماتها الأخلاقية والدولية، وامتدادًا لرؤيتها الإنسانية، حيث انضمت سلطنة عُمان إلى اتفاقيات إقليمية ودولية تعزّز التعاون في هذا المجال، منها “الاتفاقية العربية لمكافحة الجريمة المنظمة” و”العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية”.
في هذا اليوم العالمي، تُبرهن سلطنة عُمان أنها لا تكتفي بالتشريعات، بل تبني منظومة شاملة تجمع بين القانون، والمؤسسة، والمجتمع، والضمير، لتكون صفًا أول في معركة الدفاع عن الإنسان وكرامته.


























