الصحوة – عنود الشحية
حين تهبط الطائرة في مطار صلالة، لا تستقبلك الإجراءات أولًا، بل رائحة، عبيرٌ يتسلل بخفة من أروقة الوصول إلى قلب الزائر، لا يشبه شيئًا آخر. إنه اللبان العُماني، العطر الذي لم يكن يومًا مجرّد منتج، بل رسالة ثقافية تحمل توقيعًا من أرضٍ تعرف جيدًا كيف تجعل من تفاصيلها الصغيرة مفاتيح ذاكرة للعالم.
في تقرير نشرته قناة يورونيوز الأوروبية في ديسمبر 2024، وصفت المحطة رحلتها إلى صلالة بأنها “غوص في ذاكرة عطرية”، حيث يغمر اللبان فضاءات الفنادق الفاخرة والمطارات ومجالس الضيافة، لا بوصفه رفاهية سياحية بل تحية أصيلة تُقدمها عُمان لزوارها، بلمسة تصميمية راقية.
وربما لم تكن هذه الرائحة يومًا حبيسة التاريخ، بل على العكس، ما زالت تسير بطموح ثابت نحو المستقبل. فبيت العطور العُماني الشهير «أمواج» أعلن أواخر 2024 عن مشروع استثنائي بالتعاون مع مواقع التراث العالمي لرعاية أشجار اللبان في وادي دوكة، حيث يتم تتبع كل شجرة جغرافيًا، ويتلقى الزبائن بعد موسم الحصاد عينات لبان نقية من أشجارهم الخاصة، في تجربة تمزج بين الفخامة والاستدامة والشفافية البيئية. المشروع كما وصفه موقع «فراجرانتيكا» العالمي المتخصص، يعبّر عن ولادة جيل جديد من الاقتصاد التراثي، يعانق فيه العطر البيئة ويستدعي ذاكرة الأرض في زجاجات أنيقة.
وفي تقرير آخر على الموقع ذاته “النسخة الألمانية – سبتمبر 2024″، تحت عنوان: “اللبان الملكي من عُمان: كنز البلاد”، تم تسليط الضوء على اللبان العُماني كرائحة وطنية تستقبل المسافرين في مطار مسقط، وتبعث برسالة غير مرئية عن الضيافة والثقافة. الرائحة، بحسب التقرير، لا تُستخدم كوسيلة تسويقية، بل كلغة حضارية تُعبّر عن هوية راسخة.
هذه الهوية لا تكتفي بالعطور والزينة، بل تنسج خيوطها من التاريخ ذاته، فقد ظل اللبان العُماني – من نوع “بوسويليا ساكرا” المعروف باسم لبان الذكر – لقرون طويلة جزءًا من تجارة دولية معقدة، تربط بين ظفار، واليمن، وشرق إفريقيا، وسواحل البحر الأبيض المتوسط. طريق اللبان الذي شُيّدت عليه حضارات ومرّت به قوافل البخور والذهب والحرير، يستعاد اليوم في سردية حديثة تعيد ربط المنتج بالسياحة، والاقتصاد الأخضر، والفنادق الفاخرة.
الملفت أن هذه العودة ليست محض حنين للماضي، بل مشروع استراتيجي واضح المعالم. العلامات التجارية العُمانية مثل «عمان لوكجري» و«أمواج» لم تكتفِ بجودة المادة الخام، بل طوّرت سرديات تسويقية متكاملة حول اللبان، ترتبط بالتراث، والهوية، والاستدامة، وهي القيم التي يبحث عنها المستهلك العصري في أسواق أوروبا واليابان وكوريا. التقارير الإعلامية من هيئة الإذاعة اليابانية NHK وإذاعة DW الألمانية، التي استعرضت مشروعات “طريق اللبان” كمحور سياحي وثقافي، أكدت هذا التوجّه.
ليس اللبان مجرّد أثرٍ من الماضي، بل رسالةٌ عُمانية تتردّد في الزمن — من البخور المُعلّق في المعابد القديمة، إلى العطور الراقية في أفخم مطارات العالم، وبين أشجار وادي دوكة وسُحب صلالة، تواصل السلطنة نسج حكايتها العطرية بكل فخر، مُرسلةً إلى العالم دعوة غير منطوقة: هنا عُمان، حيث تنبعث الروح من شذى الأرض.


























