حصريٌّ لـ«الصحوة» – في وقتٍ يشهد فيه العالم سباقًا متسارعًا لإعادة تشكيل مستقبل النقل والطاقة، تبدو المركبات الكهربائية اليوم واحدة من أبرز ملامح التحول الصناعي العالمي، ليس فقط باعتبارها بديلًا تقنيًا لسيارات الوقود التقليدي، بل بوصفها صناعة استراتيجية تتنافس عليها الدول الكبرى والشركات العملاقة ضمن معادلة جديدة عنوانها: الطاقة النظيفة، والبطاريات، وسلاسل الإمداد المستقبلية. وفي خضم هذا التحول العالمي، جاء إعلان سلطنة عُمان عن تأسيس مشروع لإنتاج السيارات الكهربائية وخلايا البطاريات في المنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم، باستثمارات تبلغ نحو 250 مليون دولار أمريكي، ليطرح تساؤلًا مهمًا حول موقع سلطنة عُمان ضمن هذا المشهد العالمي المتغير، وما إذا كانت قد دخلت هذا القطاع في التوقيت المناسب.
وتشير بيانات الوكالة الدولية للطاقة إلى أن سوق السيارات الكهربائية يواصل تسجيل معدلات نمو غير مسبوقة عالميًا، بعدما تجاوزت مبيعات المركبات الكهربائية أربعة ملايين سيارة خلال الربع الأول فقط من عام 2025، بنمو بلغ نحو 35 بالمائة مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، في مؤشر يعكس التحول المتسارع بعيدًا عن محركات الاحتراق التقليدية نحو وسائل نقل أكثر ارتباطًا بالاستدامة والطاقة النظيفة.
وتقود الصين هذا التحول العالمي بوصفها القوة الأكبر في قطاع المركبات الكهربائية، بعدما تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى مركز عالمي لإنتاج السيارات الكهربائية والبطاريات وسلاسل التوريد المرتبطة بها، مستحوذة على أكثر من نصف المبيعات العالمية للمركبات الكهربائية. كما نجحت شركات صينية مثل “BYD” و”جيلي” و”SAIC” في تعزيز حضورها العالمي والتوسع في الأسواق الأوروبية والآسيوية والأمريكية، في وقت لم تعد فيه المنافسة مقتصرة على تصنيع السيارات فقط، بل امتدت إلى البطاريات والتقنيات والمواد الخام والمعادن الحرجة المرتبطة بهذه الصناعة.
وفي المقابل، تسارع أوروبا والولايات المتحدة خطواتهما للحاق بهذا التحول، مدفوعتين بأهداف خفض الانبعاثات الكربونية وتحقيق الحياد الصفري، إلى جانب التشريعات البيئية المتشددة التي تدفع تدريجيًا نحو تقليص الاعتماد على سيارات البنزين والديزل خلال السنوات المقبلة. وتشير تقارير اقتصادية دولية إلى أن مبيعات السيارات الكهربائية في أكبر الأسواق الأوروبية واصلت نموها خلال عام 2026، في ظل ارتفاع الطلب العالمي على المركبات منخفضة الانبعاثات.
غير أن البطاريات تبدو اليوم العنصر الأكثر أهمية في معادلة المركبات الكهربائية، إلى درجة أن كثيرًا من التقارير الدولية باتت تصفها بـ”الذهب الصناعي الجديد”. ووفق بيانات الوكالة الدولية للطاقة، تجاوز الطلب العالمي على بطاريات السيارات الكهربائية 950 جيجاواط/ساعة خلال عام 2024، مع استمرار النمو السنوي بوتيرة مرتفعة، ما جعل العديد من الدول تتنافس على توطين مصانع البطاريات وخلايا التخزين الكهربائي باعتبارها جزءًا من الأمن الصناعي والطاقة في المستقبل.
ومن هذه الزاوية تحديدًا، يكتسب مشروع الدقم أهمية إضافية، كونه لا يقتصر على إنتاج السيارات الكهربائية فقط، بل يشمل كذلك تصنيع خلايا البطاريات ضمن منظومة صناعية متكاملة، وهي نقطة تمنح المشروع بعدًا استراتيجيًا يتجاوز مفهوم “التجميع الصناعي” التقليدي نحو بناء سلسلة قيمة متكاملة مرتبطة بالصناعات الخضراء والتقنيات النظيفة.
ويأتي دخول سلطنة عُمان إلى هذا القطاع في مرحلة تشهد إعادة تشكيل واسعة لسلاسل الإمداد العالمية المرتبطة بالطاقة النظيفة، في وقت تمتلك فيه سلطنة عُمان مجموعة من العوامل التي قد تمنحها أفضلية تنافسية، من بينها الموقع الاستراتيجي للدقم، والبنية الأساسية اللوجستية، والموانئ البحرية، إلى جانب التوسع في مشروعات الهيدروجين الأخضر والطاقة المتجددة، والحوافز الاستثمارية التي تستهدف جذب الصناعات المستقبلية.
كما يتقاطع المشروع مع توجهات رؤية “عُمان 2040” الرامية إلى تنويع الاقتصاد الوطني وتعزيز الصناعات التحويلية والتقنيات المتقدمة، فضلًا عن ارتباطه بمستهدفات الحياد الصفري الكربوني، في وقت تسعى فيه سلطنة عُمان إلى ترسيخ حضورها كمركز إقليمي للصناعات الخضراء والطاقة النظيفة.
ولا تبدو أهمية المشروع مرتبطة بالإنتاج الصناعي وحده، بل كذلك بما يمكن أن يخلقه من صناعات مكملة وفرص لنقل المعرفة والتقنيات الحديثة، خاصة مع تنامي الطلب العالمي على المهارات المرتبطة بالمركبات الكهربائية والبطاريات والطاقة المتجددة، وهي قطاعات يتوقع أن تشكل جزءًا متزايدًا من اقتصاد المستقبل خلال العقود المقبلة.
وفي ظل التحولات العالمية المتسارعة، تبدو المنافسة اليوم مختلفة عمّا كانت عليه في العقود الماضية؛ فالدول لم تعد تتنافس فقط على النفط والغاز، بل باتت تتسابق أيضًا على البطاريات والتقنيات النظيفة والصناعات المرتبطة بالاقتصاد الأخضر، وهي معادلة جديدة تحاول سلطنة عُمان أن تجد لنفسها موقعًا فيها عبر مشاريع تستهدف الانتقال من دور المستهلك للتقنيات الحديثة إلى المساهمة في إنتاجها وتوطينها داخل الاقتصاد الوطني.




























